الرئيسية » بحوث ومقالات الشيخ

من آيات الاستخلاف والتمكين في القرآن

 الكاتب: الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد صلى الله عليه وآله أجمعين. أما بعد:

أولاً: ضرورة تأهيل الأمة لمرحلة الخلافة والتمكين:

المتأمِّل اليوم لواقِع الأمة الإسلاميَّة عامة، وبعض الدول التي نالتْها أحداث من الفتن والثورات والمظاهرات خاصة، وكذلك لواقع الدعوة الإسلامية عامة، والاتجاه السلفي خاصة، يرى بعين البصيرة حالة من الغبش والضبابية في كثير من المسائل والأمور، وقَع فيها كثير من الناس والشباب، ولا أبالِغ حتى بعض الدعاة وطلاب العلم، وليس هذا بموضوعنا الآن.

ذلك أن الدعوة الإسلامية بمُجمَل اتِّجاهاتها تَبذُل الجُهد سالكة دروب المفاصلة مع التيارات والاتجاهات العَلْمانية والليبرالية، في معركةٍ عَقديَّة وأخلاقية كبيرة، لا انتهاء لها إلا أن يشاء الله بانتصار الحق والعدل والسُّنة، ولا ريب في هذا، ولكن هذه المعركة طويلة الأمد، وقد جعل الله - تعالى - لها سُننًا كونية وشرعية، والكونية تقع بأمره، والشرعية تقع بأمره مع اتِّخاذ الوسيلة المشروعة إليها؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، فنصْرُ الله لنا متعلِّق بنصرنا إياه لدينه وشريعته، وبذْل الأسباب الموصِّلة، وإعداد العُدة، كما قال - تعالى - أيضًا: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون ﴾ [الأنفال: 60].

وتأهيل الأمة الإسلاميَّة لمرحلة القيادة والخلافة الإسلامية أمرٌ من الأهمية بمكان لأننا لم نؤمر بالتمكين، وإنما أمرنا بإقامة أسبابه المشروعة المبينة في الكتاب والسنة بحسب القدرة والاستطاعة، كما أن الخلافة وسيلة لا غاية لتحقيق العبودية لله تعالى، وقد بذل جمع من أبناء الأمة ودُعاتها وحَمَلة العلم جهدًا في السعي إليها مع كونها ثمرة للتوحيد الخالص والإيمان؛ لأن الخلافة أمر واقع لا محالة بموعود الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكن في الوقت الذي يشاؤه الله تعالى، والذي يعلم فيه بعلمه أن الأمة تستحِقُّ أن تَسود العالم من جديد بمنهج الله وشريعته، كما جاء عند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه -، قال: كنا جلوسًا في المسجد، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد، أتحفَظُ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفَظ خُطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تكون النُّبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلْكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون مُلْكًا جَبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكَت))، قال حبيب: فلما قام عمر بن عبدالعزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكِّره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين - يعني عمر- بعد المُلْك العاض والجبرية، فأُدخِل كتابي على عمر بن عبدالعزيز فَسُرَّ به وأعجَبه[1].

وللحديث شاهد عن سَفينةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الخلافةُ في أمتي ثلاثون سنةً، ثم مُلْك بعد ذلك))، ثم قال سفينة: أمسِكْ عليك خلافة أبي بكر، ثم قال: وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم قال لي: أمسِكْ خلافة علي قال: فوجدناها ثلاثين سنة"؛ رواه أحمد وحسَّنه الأرناؤوط.

وروى الإمام أحمد عن حذيفة - رضي الله عنه - أنه قال: "ذهبتِ النُّبوة فكانت الخلافة على منهاج النبوة"، وصحَّحه الأرناؤوط، والذي عليه بعض من أهل العلم أن المُلْك الجبريَّ هو هذه الحِقبة الزمنية التي تمرُّ الأمة الإسلامية بها الآن، وإن الله - تعالى - سيهيِّئ للأمة الإسلامية طريقًا للعودة لهذه الخلافة الراشدة على مِنهاج النبوة الأولى.

ثانيًا: ماذا تعني الخلافة الإسلامية والتمكين؟

الخلافة في مجملها تعني: تحقق الإمامة العظمى في الأمة المسلمة، وهي كما قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع"، وعرفها ابن خلدون في "مقدمته" بقوله: "هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به". اهـ.

ومن أجل مقاصدها وأعظمها حفظ الدين بنشر الدعوة بالقلم واللسان والسنان، ودفع الشبه والبدع والأباطيل ومحاربتها، وحماية البيضة وتحصين الثغور، وإقامة الشرائع والحدود وتنفيذ الأحكام، وحمل الناس عليه بالتغريب والترهيب، ومن مقاصدها كذلك الكبرى سياسة الدنيا وأمورها بالحكم في شئون الحياة بالشريعة، والعدل ورفع الظلم، وجمع الكلمة وعدم الفرقة، وعمارة الأرض واستغلال خيراتها للمسلمين.

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين, بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع , لحاجة بعضهم إلى بعض, ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس , حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وأبى هريرة, وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"، فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود, لا تتم إلا بالقوة والإمارة, ولهذا روي "أن السلطان ظل الله في الأرض"، ويقال: "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان" والتجربة تبين ذلك" انتهى مختصرًا من الفتاوى.

إذن فالخلافة أو الإمامة في مجملها وثمرتها من الجانب الإيماني والدعوي تعني التمكين للمؤمنين المُتَّبعين للكتاب والسُّنة، والسائرين على طريق الصحابة والسلف الصالح من بعدهم، التمكين لهم بأن يُقيموا العقائد والشعائر والشرائع التي أمر الله - تعالى - بها ورسوله في جميع مجالات الحياة البشرية، والتمكين لهم بالإعلان عن عبوديَّتهم لله وحده لا شريك له في حُكمه ولا في أمره، في حرية كاملة دون خوف من الطُّغاة أو الظالمين، أو وجَلٍ من أعداء الله المتربِّصين والمنافقين.

والتمكين لهم أن يَملِكوا زمام قيادة العالم من جديد كما كانوا في القرون الماضية، وأن يَفتحوا قلوب العالمين بنور هذا الدين الحق، ويفتحوا كنوز الأرض وخيراتها بالجهاد في سبيله وحده وإعلاء كلمة دينه، والتمكين لهم بأن يَحكموا الناس بشريعة الله، وأن يرفعوا ظُلْم الظالمين، وفساد المفسدين، وأن يُقيموا ميزان الحق والعدل بين الناس بما أنزل الله تعالى، وأن يَرفعوا عنهم الذُّل والمهانة التي طالما عاشوا فيها سنينَ طويلة، يَذِلون فيها لأعداء الله من اليهود والنصارى والمنافقين، ويحكُمون بقوانينِ الظُّلم والجَور بين العالمين.

إن الخلافة تعني الكثير والكثير من تحرير البشرية كلها من قبضة الطُّغاة والمنافقين، الذين يُحارِبون شريعة الله ومنهجه، وتحريرها من أن تَذِل لغير خالقها وموجِدها، وتعني أن تَستمِدَّ أحكامَها وشرائعها من مِنهاج ربها وشريعة الإسلام، وهذه الخلافة قادمة لا محالة، ولكنها تأتي ببذل الجهود، وإعداد العُدة، وتطهير القلوب، وتزكية النفوس، واستعلاء الإيمان في قلوب أصحابه، إنها قادمة - بإذن الله - ولكن بالسُّنن التي تعمل في الكون، وليس بترك الدعوة والتخاذل عن نصرة الإسلام والمستضعفين في الأرض، فمن الواجب أن تتأهَّل أمة الإسلام لهذه الخلافة الراشدة.

ثالثًا: انحراف واستعجال:

ومن هنا فمجاهدة الباطل وأهله، وبذْل الجُهد وإعداد الأمَّة وجيل النصر والتمكين أمر لا بد من بذْله، والسعي له بكل مُتاح ومُباح، إلا أن لله سُننًا شرعية في هذا، لا يتوصَّل للنصر والتمكين إلا بها، وباستخراج الوُسْع فيها، وقد فصَّلها الله لنا ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في الوحيين؛ الكتاب والسنَّة، إلا أن فريقًا من الناس يستعجل النصر والتمكين بطبيعته البشرية "خلق الإنسان من عجل"، ويحاول أن يقطع أشواطًا وأسبابًا لا بد من كمالها، للوصول إلى مرامه وغايته، فيقع في الانحراف مرة، وفي التخبط والتلون أخرى، وفي الغفلة تارة، وضعف البصيرة تارة، وفي التأويل مرات ومرات، وهكذا يترنح الطريق ظانًا أنه في درب النجاة سالك، ولمعالم السنة والحق مالك، والأمر على حقيقته ليس كذلك.

إن الفطرة البشرية الحرة تأبى أن تتقوقع بعيدًا داخل صدفة من الخزف، أو جحر أو كهف في زاوية الجبل، إنما ترنوا دائمًا لعبير الحرية الرباني، الذي لا يقتل انطلاقتها نحو الحق والعدل، وهي على صراط مستقيم من أمرها ومنهجها، وجاء به الكتاب ناصعًا: " قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، والصراط له سبيل واحد وجناحان، إخلاص واتباع؛ فالإخلاص إكسير الأعمال وجوهرها، والاتِّباع صِقال الأعمال وميزانها، وحيثما اختلَّ أحد الجناحين انحرَف السبيل، وصار يَهذي بغير دليل، وجاء النص بيِّنًا كرابعة النهار: ((من عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ))؛ رواه مسلم.

وإن الاعتراف بأسباب النكوص والفَشَل عن النصر، وضَياع الكثير من شباب أمتنا لأمرٌ محمود؛ فقد أخرَج أبو داود - رحمه الله تعالى - في سُننه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمِعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا تَبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)). وعن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((كيف أنتم إذا وقعت فيكم خَمسٌ، وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تُدرِكوهن؛ ما ظهَرت الفاحشة في قوم قط يُعمل بها فيهم علانية إلا ظهَر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وما منَع قوم الزكاة إلا مُنِعوا القَطْر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، وما بخَس قومٌ المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَور السلطان، ولا حَكَم أمراؤهم بغير ما أنزَل الله إلا سلَّط عليهم عدوهم، فاستنقَذوا بعض ما في أيديهم، وما عطَّلوا كتاب الله وسُنة نبيه إلا جعل الله بأسَهم بينهم))؛ رواه البيهقي والحاكم، وصحَّحه الألباني، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام: 159]، وصدق القائل:

وكان البِرُّ فعلاً دون قولٍ      فصار البِرُّ نُطقًا بالكلامِ

وقال الرصافي في ديوانه:

مَلأنا الجوَّ بالجَدلِ اصطِخابًا        وكنا قبْلُ نَملؤه هُتافَا

وما زِلنا نَهيم بكلِّ وادٍ        مِن الأقوال نُرسِلها جُزافَا

وإن استعجال بوارق النصر بطريق متلوِّن مع كل موقف، أو بخفض الجناح للمنافقين وأذنابهم للوصول للمَرام - لأمرٌ فيه مُجازفة ولا ريب، قد لا توصِل لسبيل الكمال، ونشوة الانتصار على حقيقته، ومن هنا صدَع بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لجيل الصحابة والتمكين الأول؛ فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّد بُردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدةً فقلنا: ألا تدعو الله، فقعد وهو محمرٌّ وجهه، وقال: ((كان الرجل فيمن كان قبلكم يُحفَر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بمنشار فيوضَع فوق رأسه فيُشق باثنين فما يصُده ذلك عن دينه، وليُتمَّنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجِلون))؛ رواه البخاري.

لقد صبَر على الطريق قبلنا نبي الله نوح - عليه السلام - في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وصبَر هود وصالح وشعيب، وجاهَد إبراهيم الحنيف - عليهم السلام جميعًا - وأوذي موسى كثيرًا، وقتِل زكريا ويحيى، وكاد أن يُقتل عيسى لولا رفْعُ الله له، وصبَر سيد الأنام في مكة ثلاث عشرة سنة، دعوة ومجاهدة، وصبْر وتضحية، هو ومن معه، حتى جاء وعد الله بالنصر والتمكين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34].

رابعًا: بشائر القرآن بالاستخلاف والتمكين والظهور:

وقد نطَقت آيات القرآن بأن الاستخلاف في الأرض والتمكين والظهور، لا يكون إلا من الله تعالى، إما بالاصطفاء الرباني، وإما ثمرة للإيمان والعمل الصالح، وإما بالدلالة العامة، ودلالة الآيات في ذلك واضحة، منها قوله تعالى:

أ- ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30].

ب- ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26].

ج- وقال - تعالى -: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [القصص: 5- 6].

د- وقال - تعالى -: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [الفتح: 28].

هـ- ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].

و- ﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 129].

ز- ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ [الأعراف: 69].

ح- ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 74].

ط- ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾ [النمل: 62].

ي- ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 165].

ك- ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [فاطر: 39].

ل- ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41].

م- ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [الأنعام: 6].

خامسًا: وقفة مع آيات الاستخلاف والتمكين:

ونحن إذا تأمَّلنا نصوص الوحيين الكتاب والسنة، لوقفنا على جملة من النصوص الشرعية الآنف ذكرها وغيرها، التي تبيِّن لنا معالِم السبيل، وتَخُطُّ للأمة المسلمة معالم الاستخلاف والنصر والتمكين، ولم تتركها لأهواء الناس وأذواقهم وعجلتهم.

كما أنها تبيِّن أن المصلحة العليا للأمة تتمثَّل في تحقيق مناط العبودية لله والطاعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالسمع والطاعة، والاعتصام بمنهج إقامة التمكين للطائفة المؤمنة المنصورة في الأرض، وذلك بتحقيق مَناط التمكين الحق، المذكور في كتاب الله - تعالى - في قوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النور: 54 - 56]، وليست تلك المصلحة التي تكون راجِحة أو مرجوحة بتأويلات بحسَب غَلَبة الظن، أو كثرة العدد والتصويت لها في البرلمان أو المجلس التشريعي الأرضي، بالموافَقة عليها أو بعَرْضها للاستفتاء الشعبي، ممن يَفْقه ومَن لا يَفقه.

وهنا نقف على عدة أمور ونقاط مهمة:

أولاً: من أقوال أهل التفسير في معنى الاستخلاف والتمكين:

وهنا نُشير إلى بعض من التأملات في الآيات السابقة، وعلى وجه أدق في بيان معنى الاستخلاف والتمكين والظهور، هذه المعالم الثلاثة التي دلَّت عليها النصوص دلالة واضحة، وأقوال أهل التفسير - لا ريب - فيها كشَفٌ عن مراد كلام الله تعالى، فمن ذلك ما يلي:

أ- قال ابن سعدي - رحمه الله - في معنى الاستخلاف والتمكين ووعد الله لأهل الإيمان بذلك: "هذا من وعوده الصادقة، التي شوهِد تأويلها ومَخبَرها، فإنه وعَد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمَّة، أن يستخلِفَهم في الأرض، ويكونوا هم الخلفاءَ فيها، المتصرِّفين في تدبيرها، وأنه يمكِّن لهم دينَهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضْلها وشرَفها ونعمته عليها، بأن يتمكَّنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يُبدِّلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكَّن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًّا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغَوا لهم الغوائل".

وقال أيضًا - رحمه الله -: "فوعدهم اللهُ هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تُشاهِد الاستخلافَ في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يُشركون به شيئًا، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فقام صدْرُ هذه الأمَّة، من الإيمان والعمل الصالح بما يَفوقون على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصَل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجَد ما وعدهم الله، وإنما يسلِّط عليهم الكفار والمنافقين، ويُدِيلُهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح.

﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ التمكين والسلطنة التامة لكم يا معشر المسلمين، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ الذين خرجوا عن طاعة الله، وفسَدوا، فلم يَصلُحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير؛ لأن الذي يترك الإيمان في حال عِزِّه وقهْره، وعدم وجود الأسباب المانِعة منه، يدل على فساد نيَّته، وخُبْث طويَّته؛ لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك، ودلَّت هذه الآية، أن الله قد مكَّن مَن قبلنا، واستخلَفهم في الأرض، كما قال موسى لقومه: ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129]، وقال - تعالى -: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [القصص: 5 -6 ].

ب- وقال الشنقيطي - رحمه الله - في معنى الاستخلاف: "ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه وعَد الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات من هذه الأمة ليستخلفنَّهم في الأرض؛ أي: ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدل على أنَّ طاعة الله بالإيمان به، والعمل الصالح سبب للقوّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ﴾ [الأنفال: 26].. الآية. وقوله - تعالى -: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40-41]، وقوله - تعالى -: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7] إلى غير ذلك من الآيات".

ج- وقال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره للآية كلامًا جيدًا في بابه في بيان الاستخلاف، وكيف تحقَّق في أمة الصحابة، وكيف يتحقَّق فيمن بعدهم: "هذا وعْد من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تَصلُح البلاد، وتَخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنَّ بعد خوفهم من الناس أمنًا وحُكْمًا فيهم، وقد فعَل - تبارك وتعالى - ذلك، وله الحمد والمنة، فإنه لم يَمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فتَح الله عليه مكة وخَيْبَرَ والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقلُ ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية - وهو المقوقس - وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله وأكرَمه".

قال ابن كثير - رحمه الله -: "ثم لما مات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فَلَمَّ شَعث ما وَهَى عند موته - عليه الصلاة والسلام - وأطَّدَ جزيرة العرب ومهَّدها، وبعَث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ففَتحوا طرفًا منها، وقتلوا خَلْقًا من أهلها. وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة - رضي الله عنه - ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إلى بلاد مصر، ففتَح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حَوران وما والاها، وتوفَّاه الله - عز وجل - واختار له ما عنده من الكرامة.

ومَنَّ على الإسلام وأهله بأن ألْهَم الصِّدِّيق أن استخلَف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قيامًا تامًّا، لم يَدُرِ الفَلَك بعد الأنبياء - عليهم السلام - على مِثْله، في قوة سيرته وكمال عدْله، وتَم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفَق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر.. إلخ".

ثم قال ابن كثير - رحمه الله -: "ولهذا ثبَت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلُغ مُلْك أمتي ما زُوي لي منها))، فها نحن نتقلَّب فيما وعَدنا الله ورسوله، وصدَق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يُرضيه عنا".

د - وقال القرطبي - رحمه الله -: "وقولُه: ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور: 55] يعني بني إسرائيل؛ إذ أهلَكَ الله الجبابرة بمصر، وأورَثَهم أرضهم وديارهم فقال ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ [الأعراف: 137]. وهكذا كان الصحابة مُستضعَفين خائفين، ثم إن الله - تعالى - أمَّنهم ومكَّنهم وملَّكهم، فصَحَّ أن الآية عامة لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - غير مخصوصة؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم.

وجاء في معنى تبديل خوْفهم بالأمن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال - عليه السلام-: (( لا تلبثون إلا قليلاً حتى يجلس الرجلُ منكم في الملأ العظيم مُحتبيًا ليس عليه حديدة )). وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((والله ليُتمَّن اللهُ هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجِلون))؛ خرَّجه مسلم في صحيحه، فكان كما أخبَرَ - صلى الله عليه وسلم - فالآية معجزة النبوة؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان".

هـ- وقال أبو الطيب محمد صديق خان القنوجي في "فتح البيان في مقاصِد القرآن"، في معنى الاستخلاف وعموم الوَعْد به من الله لعباده: "﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ بدلاً عن الكفار، وهو وعْد يَعُم جميع الأمة، وقيل هو خاص بالصحابة، ولا وجْه لذلك؛ فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يَختصُّ بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومَن عمِل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله، واللام في ﴿ ليستخلفنَّهم ﴾ جواب لقَسَمٍ محذوف أو جواب للوعد، وتنزيله منزلة القسم؛ لأنه ناجز لا محالة، والمعنى: ليجعلنَّهم فيها خلفاء يتصرَّفون فيها تصرُّف الملوك في مملوكاتهم، وقد أبْعَد من قال: إنها مختصَّة بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو أن المراد بالأرض أرض مكة، وقد عرَفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".

ثانيًا: دلالة الآيات على طريق التمكين والاستِخلاف وصفات أهله:

الخلاصة من ذلك أن الآيات الكريمة دلَّت جملة على عدة أمور، منها:

الأول: تحقيق الإيمان والتوحيد الخالص:

ذلك أن تحقيق التمكين الموعود إنما هو بتحقيق الإيمان والتوحيد الخالِص، الصافي من كل شِرك في العبودية مع الله - تعالى - من الأنداد والأضداد، قال ابن سعدي - رحمه الله -: "بل حقيقة الإيمان أن يعرف الربَّ الذي يؤمن به، ويبذُل جُهده في معرفة أسمائه وصفاته، حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفةً بربه ازداد إيمانُه، وكلما نقَص نقص، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك، تدبُّر صفاته وأسمائه من القرآن، والطريق في ذلك إذا مرَّ به اسم من أسماء الله، أثبَت له ذلك المعنى وكمالَه وعمومه، ونزَّهه عما يُضادُّ ذلك". وقال أيضًا: "حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرتْ به الرُّسل، المُتضمِّن لانقياد الجوارح".

الثاني: تحقيق الطاعة المطلَقة لله ورسوله وتحقيق العبودية:

وكذلك تحقيق الطاعة المطلَقة لله ورسوله في كل كبير وصغير من شؤوننا، وعدم الإعراض والتولي، وأيضًا تحقيق العبودية بإقامة الصلاة والعبادة، وإيتاء الزكاة والصدقة في حال قبل التمكين، وبعده لدوام استمراريته. قال الله - تعالى -: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51]. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أَبَى))، قيل: ومن يأْبى يا رسول الله؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى))؛ رواه البخاري.

وعن أبي نَجِيح العِرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعَظَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً بليغةً وجِلَت منها القلوب وذَرَفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّعٍ فأَوصِنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، وإنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور؛ فإن كل بدعةٍ ضلالةٌ))؛ رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

الثالث: تحقيق العمل الصالح:

وأيضًا بتحقيق العمل الصالح النافع للأمة والجماهير الغفيرة المحتاجة، من عمِل الخيرات، وإخراج الزكوات والصدقات، وقيام الجمعيات الخيرة والخيرية في الأحياء والمساجد، لنفْع الفقراء والمساكين وذوي الحاجات والأمراض. والعمل الصالح واسِع وشامل لكل الواجبات الشرعية والمستحبَّات، من حقِّ الله ورسوله، وحق عباده، قال الطبري - رحمه الله - في تفسيره: "يقول - تعالى ذكره -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [النور: 55] بالله ورسوله، ﴿ مِنْكُمْ ﴾، أيها الناس، ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ يقول: وأطاعوا اللهَ ورسوله فيما أمَراه ونَهياه".

وطُرُق العمل الصالح كثيرة؛ فعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ))؛ رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة - رضي الله عنه. وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من مسلمٍ يَغرِس غرسًا إلا كان ما أكَل منه له صدقةً، وما سُرِق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ إلا كان له صدقةً))؛ رواه مسلم. وعن أبي ذرٍ جندب بن جنادة - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله، والجهاد في سبيله))، قلت: أي الرِّقاب أفضل ؟ قال: ((أنَفَسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا))، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تُعينُ صانعًا أو تَصنع لأخْرِقَ))، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضَعُفتُ عن بعض العمل؟ قال: ((تَكُفَّ شرَّك عن الناس؛ فإنها صدقةٌ منك على نفسك))؛ متفقٌ عليه.

وقال صاحب "أضواء البيان" - رحمه الله -: "اعلم أولاً - أن القرآن العظيم دلَّ على أن العمل الصالح هو ما استكْمَل ثلاثة أمور:

الأول: موافقته لما جاء به النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الله يقول: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

الثاني - أن يكون خالِصًا لله تعالى؛ لأن الله - جل وعلا - يقول: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾  [البينة: 5]، ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ﴾ [الزمر: 14- 15].

الثالث - أن يكون مبنيًّا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فقيَّد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قُبِل منه ذلك العلم الصالح. وقد أوضح - جل وعلا - هذا المفهوم في آيات كثيرة؛ كقوله في عمَل غير المؤمن: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، وقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 16]، وقوله: ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ [النور: 39]... الآية، وقوله: ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ [إبراهيم: 18]، إلى غير ذلك من الآيات".

الرابع: وقوع التمكين في عصر النبوة:

إنَّ وعْد التمكين والنصر قد تحقَّق للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وكذا للصحابة الأكارم - رضي الله عنهم - وحقَّق الله لهم الفتح الأوسع في البلاد بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمَّن الناس، ونَشَر الحق والعدل، وعمَّ الخير بلاد المسلمين، وازداد الفتح الإسلامي على أيدي الصحابة والفاتحين منهم، ثم التابعين.

الخامس: استمرارية وقوع التمكين إلى قيام الساعة:

إن الوعد المذكور بالتمكين، يتحقَّق بموعود الله - تعالى - في كل الأمة إلى قيام الساعة، ما أقامت التوحيد والإيمان الحق، وعمِلت الصالحات والخيرات، وقد بيَّنا قول الإمام ابن كثير وغيره من أهل التفسير في بيان ذلك، وكون هذا التمكين والاستخلاف متحقِّقًا بطاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في الحديث واضحًا جليًّا: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يَضرُّهم من خذَلهم حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك))؛ رواه مسلم وغيره.

السادس: غاية التمكين تعبيد الناس لربهم:

ذلك أن غاية التمكين والاستخلاف، هي تعبيد الناس لربهم - تعالى - في حُكْمه وأمره، وتحقيق العبودية منوط بتحقيق العقيدة والتوحيد، وإقامة العبادة من الصلاة والزكاة وطاعة الرسول في أمْره ونَهيه وغيرها؛ كما قال - تعالى -: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النور: 55، 56].

وجملة دلالة الآيات أنها تَدلُّ على وجوب تكوين الجماعة المؤمنة التي تَجتمِع فيها تلك الصفات العالية والمنابع الصافية، من تحقيق الإيمان والتوحيد، والطاعة لله والرسول، والعمل الصالح، ولا نعني بها فريقًا أو حزبًا؛ فقد علِمنا من النصوص ما يدل على بُطلانها وانحرافها في الغالب، إنما نعني تربية الجيل المؤمن الذي يكون هو جيل النصر والاستخلاف الموعود والتمكين، الجيل الذي لا يعطي ولاءه لغير الله ورسوله وشريعته، ولا يتحزَّب أو يتفرَّق مع سُبُل أهل الأهواء والبدع، وحسْبنا من كتاب الله بيان صفات الجماعة المؤمنة، الثابتة بمنهجها على طول الطريق، وهي في قوله - تعالى -: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3]. ولهذا وجَب العملُ والسعي لتحقيق النصر والتمكين الموعود، بما أمَر الله - تعالى - به، والقيام بذلك على أكمل الوجوه وأحسَنِها.

ثالثًا: وجود مؤهِّلات وشروط أخرى للاستخلاف والتمكين:

هناك أيضًا شروط ومؤهِّلات أخرى لتحقيق كونيَّة الاستخلاف والتمكين للأمة في عدد من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة أشرنا إليها آنفًا، منها: تحقيق الصبر، وتحقُّق اليقين لقوله - تعالى -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

رابعًا: مقومات استمراريَّة التمكين في الأمة:

ذَكَر الله - تعالى - في كتابه مقومات وجود الاستخلاف والتمكين في الأمة المسلمة، كما ذكر وبين أيضًا عوامل بقائه واستمراريته فيها في قوله - تعالى -: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41]، قال الشنقيطي - رحمه الله -: "دليل على أنه لا وعْد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فالذين يمكِّن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يُقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهَون عن المنكر - فليس لهم وعْد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعَدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناءً على أنه وعدهم إياه، فمَثلهم كمَثلِ الأجير الذي يمتنِع من عَمَل ما أُجِر عليه، ثم يَطلُب الأجرة، ومَن هذا شأنه فلا عقل له".

وقال ابن سعدي - رحمه الله -: "﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾؛ أي: ملَّكناهم إياها، وجعلناهم المُتسلِّطين عليها، من غير منازِع يُنازِعهم، ولا معارِض، ﴿ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾ في أوقاتها، وحدودها، وأركانها، وشروطها، في الجمعة والجماعات. ﴿ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ التي عليهم خصوصًا، وعلى رعيتهم عمومًا، آتَوْها أهلها، الذين هم أهلها، ﴿ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وهذا يشمَل كل معروف حسنه شرعًا وعقلاً من حقوق الله، وحقوق الآدميين، ﴿ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كل منكر شرعًا وعقلاً معروف قُبْحه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقَّف على تَعلُّم وتعليم، أجبَروا الناس على التعلُّم والتعليم، وإذا كان يتوقَّف على تأديب مقدَّر شرعًا، أو غير مقدَّر، كأنواع التعزير، قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدِّين له، لَزِم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به. ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ ﴾ أي: جميع الأمور، تَرجِع إلى الله، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى، فمَن سلَّطه الله على العباد من الملوك، وقام بأمر الله، كانت له العاقبة الحميدة، والحالة الرشيدة، ومَن تسلَّط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصَل له مُلْك موقَّت، فإن عاقِبتَه غير حميدة، فولايته مشؤومة، وعاقبته مذمومة"؛[2].

وخلاصة القول من هذا المبحث:

أولًا: أن الاستخلاف والتمكين لأمة الإسلام إنما هو ثمرة تحقيق التوحيد والإيمان، وثمرة العمل الصالح الخالص، وثمرة الصبر، واليقين، والمجاهدة، والدعوة، فلا تمكين ولا سعادة ولا قيادة ولا ريادة إلا لمن حقق التوحيد والإيمان قولًا وعملًا، وصبر وصابر وأيقن بوعد الله ورسوله، وجعل همه الأكبر نشر التوحيد والسنة والاتباع، فنحن لم نؤمر بالتمكين، إنما أمرنا بإقامة أسبابه المشروعة المبينة في الكتاب والسنة بحسب القدرة والاستطاعة، كما قال تعالى في كتابه ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون ﴾ [الأنفال: 60]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]

ثانيًا: أن غاية التمكين العظمى، وهدفه الأسمى هو "تحقيق العبودية المستحقة لله الواحد لا شريك له" كما قال تعالى: "يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا"، وهذه غاية الغايات، وليس كما ظن أو توهم كثير من الأفاضل والكتاب والباحثين والمنظرين حينًا من الدهر؛ أن قضية الاستخلاف وتحقق الخلافة والتمكين إنما الغاية منها "عمارة الأرض" وتحقيق السعادة المادية للناس في جميع شئون حياتهم، لتصير الدنيا الفانية لهم الجنة والنعيم قبل نعيم وجنة الآخرة! حتى جعلوا العبادة وسيلة لا غاية مقصودة لذاتها، وهذا مخالف لكثير من النصوص القرآنية والنبوية وسيرة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وسيرة سيد النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، لأن دار الدنيا ما هي إلا محط ابتلاء عظيم، ودار مفر لا مقر، ودار عمل لا جزاء، ولم يتعلق منها الأنبياء ولا الصالحون بشئ يظفرون به، إلا ما كان عونًا ونفعًا وزادًا للدار الآخرة.

ولا يعني قولنا هذا ألا نعمر الأرض بالزراعة والصناعة والتقدم أو نشيد الحضارة! كلا، فلا يقول ذلك إلا جاهل بالوحي والواقع، إنما المقصود أن ندرك أن غايات الغايات في خلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا هي تحقيق العبودية لله تعالى، وأن عمارة الأرض داخلة تحت مسمى العبادة وصورها، وليست غاية مستقلة بذاتها يسعى الناس إليها، وحسبنا قول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]. وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء: 77]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 32]، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].

نشر في الألوكة

_________________________

[1] ورواه أبو داود الطيالسي والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري، وحسَّنه الأرناؤوط، وصحَّحه الألباني.

[2] من مراجع هذا المبحث؛ تفسير السعدي، وابن كثير، والقرطبي، والشنقيطي، وفتح البيان للقنوجي، والأحكام السلطانية، ومقدمة ابن خلدون، وغيرها ففيها استفاضة في مسألة الاستخلاف والخلافة والتمكين وشروطها.

 

   
 

 
 

  العودة إلى الخلف       

  اطبع هذه الصفحة

أضف هذا الموقع للمفضلة لديك