الرئيسية » بحوث ومقالات الشيخ

آداب طالب الحديث

 الكاتب: الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد صلى الله عليه وآله أجمعين. أما بعد:

آداب طالب الحديث:

مما ينبغي العناية به، ورفع الهمة إليه لطالب الحديث، العناية بآداب وأخلاق طالب الحديث خاصة، والعلم عامة، وقد نص على ذلك غير واحد من أئمة الحديث والهدى في كتبهم، لأن طالب الحديث بدونها لا خير فيه، ولا بركة في علمه، ولا انتفاع له به، وقد أشار إليها الإمام النووي – رحمه الله – كما في "التقريب والتيسير" وغيره من أئمة الحديث ونذكر منها:

الأول: الإخلاص في النية والطلب:

فيجب عليه تصحيح النية، والإخلاص لله تعالى في طلبه والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا، ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5].

وفي الحديث الصحيح المشهور عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، رواه الشيخان.

وروى ابنُ ماجه في سننه بسند حسن عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم -: "مَن تعلم العلم؛ ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، ويصرف به وجوهَ الناس، أدخله الله جهنم".

ومن حسن النية: أن يَنويَ بطلبه رَفْعَ الجهالة عن نفسه أولاً، ثُمَّ بعد تَحصيله يقوم بتعليم وإرشاد المسلمين وتوجيههم لما فيه الخير والرشاد، وكان عبدالله بن المبارك يقول: "أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر".وقيل للإمام أحمد بن حنبل: "إنَّ قومًا يكتبون الحديث، ولا يُرى أثره عليهم، وليس لهم وقار. فقال: يؤولون في الحديث إلى خير". وعن الضحاك بن مزاحم قال: "أول باب العلم: الصمت، والثاني: استماعه، والثالث: العمل به، والرابع: نشره وتعليمه".

الثاني: مراعاة محاسن الأخلاق والآداب:

وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب النبيلة، مع شيخه، وفي طلبه، فيكون متواضع النفس، طيب القلب، جميل العبارة، حسن السمت، قابل المعذرة، صادق الوعد، صبور النفس، يقنع بالقليل، ولا يهتم لدنيا غيره، ولا يشغل بغير الطلب والعبادة والمذاكرة، ويتخلق بأخلاق النبوة والسنة، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

قال الإمام الشعبي: "إنَّما كان يطلب العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل، والنسك، فإن كان عاقلاً، ولم يكن ناسكًا، قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك، فلن أطلبه، وإن كان ناسكًا، ولم يكن عاقلاً، قال: هذا أمر لا يناله إلاَّ العقلاء، فلن أطلُبَه - يقول الشعبي -: فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم مَن ليس فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك"[1].

وقال الإمام مالك: "حقٌّ على مَن طلب العلمَ أن يكون له وقارٌ، وسكينة، وخشية، والعلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله تعالى"[2]. وقال ابن جماعة: "فالحذرَ الحذر من هذه الصفات الخبيثة والأخلاق الرذيلة، فإنَّها باب كل شر، بل هي الشر كله، وقد بلي بعضُ أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصِّفات إلا من عصم الله -تعالى- ولا سيما الحسد والعجب والرِّياء واحتقار الناس، وأدوية هذه البلية مستوفاة في كتب الرقائق، فمن أراد تطهير نفسه منها، فعليه بتلك الكتب"[3].

الثالث: إفراغ الوسع في تحصيل السماع والرحلة:

ثم ليفرغ جهده في تحصيله بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره، فإذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحفاظ المبرزين، ولا يحملنه الشره على التساهل في التحمل بشيء من شروطه".

الرابع: العمل بالعلم:

وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب، فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه". قال بشر بن الحارث الحافي: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث. وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة، تكن من أهله. وقال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به. وقال بعض السلف: "يا حملةَ العلم، اعملوا فإنَّما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيَهم، يخالف عملهم علمهم، ويُخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حِلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إنَّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدَعَه، أولئك لا يصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى"[4].

الخامس: إجلال شيخه وتوقيره وكمال الأدب معه:

وينبغي أن يعظم شيخه ومن يسمع منه فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع، ويعتقد جلالة شيخه ورجحانه، ويتحرى رضاه، ولا يطول عليه بحيث يضجره، وليستشره في أموره وما يشتغل فيه، وكيفية اشتغاله، وليصبر على جفاء شيخه، قال العلامة محمد العثيمين: "إنَّ على طلبة العلم احترامَ العلماء وتقديرهم، وأن تتَّسع صدورُهم لما يحصل مِن اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأنْ يقابلوا هذا بالاعتذار عمن سلك سبيلاً خطأ في اعتقادهم، وهذه نقطة مهمة جدًّا.

لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين؛ ليتخذ منها ما ليس لائقًا في حقهم، ويشوِّش على الناس سُمعتهم، وهذا من أكبر الأخطاء، وإذا كان اغتياب العامِّي من الناس من كبائر الذُّنوب، فإن اغتيابَ العالم أكبر وأكبر؛ لأَنَّ اغتياب العالم لا يقتصر ضررُه على العالم، بل عليه وعلى ما يَحمله من العلم الشرعي"[5].

وقال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "قال عبدالرحمن بن داود بن منصور الفارسيُّ: سمعتُ حفصَ بنَ عُمر قال: ما رأيتُمثل قَبِيْصَة؛ ما رأيتُه مُتبسِّمًا قطْ، من عباد الله الصالحين. قلتُ: كذا كان والله أهل الحديث؛ العلمُ والعبادة، واليوم؛ فلا علم، ولا عبادة؛ بلتخبيطٌ، ولَحْنٌ، وتصحيفٌ كثيرٌ، وحِفْظٌ يسيرٌ، وإذا لم يرتكب العظائم، ولايُخلُّ بالفرائض، فلله دَرُّه" اهـ.

السادس: إرشاد غيره للسماع وعدم الكتمان:

وينبغي له إذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره، فإن كتمانه لؤم يقع فيه جهلة الطلبة، فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادته وبنشره ينمى.

السابع: التواضع والبحث:

وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعي التام في التحصيل وأخذ العلم ممن دونه في نسب أو سن أو غيره، فإن العلم يضيع بين كبر النفس، والحياء في غير موضعه.

الثامن: الحذر من الاستكثار بالشيوخ للسمعة:

وليعتن بالمهم، ولا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة، قال ابن الصلاح: وليس بموفق من ضيع شيئاً من وقته في الاستكثار من الشيوخ، لمجرد الكثرة وصيتها.

التاسع: إتمام الكتب بالقراءة:

وليكتب وليسمع ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله ولا ينتخب فإن احتاج تولى بنفسه، فإن اقتصر عنه استعان بحافظ".

العاشر: التفقه والضبط للمرويات والمسموعات:

ولا ينبغي أن يقتصر على سماعه وكتبه دون معرفته وفهمه، فليتعرف صحته وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققاً كل ذلك، معتنياً بإتقان مشكلها حفظاً وكتابة مقدماً الصحيحين، ثم سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، ثم السنن الكبرى للبيهقي، وليحرص عليه فلم يصنف مثله، ثم ما تمس الحاجة إليه، ثم من المسانيد مسند أحمد بن حنبل وغيره، ثم من العلل كتابه، وكتاب الدارقطني، ومن الأسماء تاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة، وكتاب ابن أبي حاتم ومن ضبط الأسماء كتاب ابن ماكولا، وليعتن بكتب غريب الحديث، وشروحه.

وليكن الإتقان من شأنه، وليذاكر بمحفوظه، ويباحث أهل المعرفة، ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه، من غير فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل،.. ولا ينبُل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه.

الحادي عشر: الصبر على الطلب والسماع:

كما قال الشَّافعي: لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتَّملل وغِنَى النَّفس فيُفْلح، ولكن من طلبهُ بذلة النَّفس وضِيق العَيْش، وخِدْمة العِلْم أفلح.

الثاني عشر: عدم التصدر قبل التأهل، والاعتناء بالتصنيف عند التأهل:

وهذا مهم جدًا، فبعض الطلاب يستعجلون الطريق، ويظنون أنهم بتحصيل أو شبر في العلم أنهم قد جمعوا وعرفوا ما لم يسبقهم إليه أحد، ويفرح أحدهم بجمع الإجازات، والتزكيات، ولم يعلم بأنها أول الغيث، وبداية الليث، ومن ثم يتصدر قبل أن يتأهل للتدريس والتعليم، وهذا خطأ. وكذلك إذا حصل له التأهل والأهلية، فقد يتأخر عن التعليم والإفادة، فيتقدم من ليس بأهل، ويصنف من لا يعرف في العلم إلا شبره الأول، وهذا خطأ كذلك، إنما الواجب مراعاة كل حال بحسبه، كما قال الإمام النووي: "وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له، وليعتن بالتصنيف في شرحه وبيان مشكله متقناً واضحاً فقلما يمهر في علم الحديث من لم يفعل هذا، وللعلماء في تصنيف الحديث طريقان:

أجودهما: تصنيفه على الأبواب فيذكر في كل باب ما حضره فيه، والثانية: تصنيفه على المسانيد فيجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه صحيحه وضعيفه، وعلى هذا له أن يرتبه على الحروف أو على القبائل فيبدأ ببني هاشم ثم بالأقرب فالأقرب نسباً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو على السوابق، فبالعشرة، ثم أهل بدر، ثم الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة، ثم النساء بادئاً بأمهات المؤمنين، ومن أحسنه تصنيفه معللاً، بأن يجمع في كل حديث أو باب طرقه واختلاف رواته، ويجمعون أيضاً حديث كل شيخ على انفراده: كمالك وسفيان وغيرهما.

والتراجم: كمالك عن نافع عن ابن عمر، وهشام عن أبيه عن عائشة، والأبواب: كرؤية الله تعالى ورفع اليدين في الصلاة. وليحذر إخراج تصنيفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكرير النظر فيه، وليحذر من تصنيف ما لم يتأهل له، وينبغي أن يتحرى العبارات الواضحة، والاصطلاحات المستعملة، والله أعلم" أهـ.

الثالث عشر: سلفية المنهج والطلب:

بمعنى أن يحرص طالب العلم على متابعة منهج السلف في الطلب والفقه، وكذلك في العقيدة والتوحيد، وكذلك في العبادة والسلوك؛ قال العلاَّمة بكر أبو زيد - رحمه الله -: "كن سلفيًّا على الجادة، طريق السلف الصالح من الصحابة - رضي الله عنهم - فمن بعدهم ممن اقتفى أَثَرَهم في جميعِ أبواب الدين، من التوحيد، والعبادات، ونَحوها، متميزًا بالتزام آثارِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال، والمراء، والخوض في علم الكلام، وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع[6].

وقال الذهبي - رحمه الله تعالى -: "وصَحَّ عن الدارقطني أنَّه قال: ما شيء أبغض إلَيَّ من علم الكلام، قلت: لم يدخل الرجل قطُّ في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًّا"؛ اهـ.

نشر في شبكة الألوكة

_______________________

[1] سير أعلام النبلاء: 4 /207.

[2] سير أعلام النبلاء: 8 /108.

[3] نفس المصدر: 24.

[4] حاشية تذكرة السامع: 17،16.

[5] العلم: 28.

[6] حلية طالب العلم.

 

   
 

 
 

  العودة إلى الخلف       

  اطبع هذه الصفحة

أضف هذا الموقع للمفضلة لديك