الرئيسية » بحوث ومقالات الشيخ

عيادة المريض وفضلها في الإسلام

 الكاتب: الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد صلى الله عليه وآله أجمعين.

أما بعد: فمن آداب السنة النبوية الجليلة التي سنَّها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأُمته، وآداب المجتمع المسلم القِيَميَّة الرفيعة: "عيادة المريض"، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمحاسن الأخلاق والسلوك، والإنسان لا ينفَكُّ من أحد حالين، يتقلَّب بينهما بقدرة الله ومشيئته، وهما العافية والابتلاء، والمرض واقعٌ على الإنسان في تقلُّبات حياته، وقد تعرَّض له صفوة الخلق من الناس من الأنبياء والرُّسل - عليهم الصلاة والسلام.

كما أن من خصائص المجتمع المسلم: التكافل الاجتماعي، والتعاون في السرَّاء والضرَّاء، وأن يكون المجتمع في صورته المثالية الفريدة، من رعاية الضعفاء والفقراء، وكذلك من مواساة أهل المرض والابتلاء، ومن كان اليوم في عافية، فهو غدًا تتقلب به أقدار الله تعالى.

ومن هنا فالمريض دائمًا من جانبه النفسي يحتاج بطبيعته البشرية إلى المواساة والرعاية لأموره، ممن يُحيطون به؛ من أبٍ وأمٍّ، وأخ وأخت، وزوجٍ وأولاد، وأقاربَ وجيران، وأصدقاءَ وأولياءَ؛ حيث يكونون قريبين منه، مُراعين لحاله، يَغرِسون في قلبه الإيمان بالقضاء والقدر، ويزرعون في نفسه اليقين والأملَ، ويُذكرونه بفضل الله الدائم في العافية والابتلاء؛ حيث رفْع الدرجات، وتكفير الذنوب والسيِّئات، وتصحيح المسار، وإصلاح البدن، وغيرها من حِكَم الابتلاءات والأمراض.

كما أنهم يَصرفون عن نفسه الخَوَر والضَّعف النفسي والإيماني، ويُعينونه على الصبر والثبات، وأن يكون صابرًا محتسبًا لأقدار الله الجارية، فلا يَجزَع لبعض المرض، ولا يَفزَع لانصراف الناس عنه، أو لشدة المرض به؛ بل يُذكِّرونه دائمًا أنه من القضاء المحتوم، والأجر المعلوم، ويدفعون به نحو الثبات والأمل والدعاء، ويغرسون في نفسه الحبَّ لله والرجاء.

وقد تأمَّلت بعض أبواب كتب السنة النبوية البديعة - كصحيحَي الإمامين البخاري ومسلم، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود وغيرها - فوجدت نصوصًا كثيرة نبوية، جاءت بأبواب وأدعِية وآداب فريدة، في عيادة المريض، والدعاء له، وزيارته بين الحين والحين، وتخفيف الألم عن نفسه بالمراعاة والمواساة والدعاء، وتعجَّبت مما اشتمَلت عليه حقًّا من معالم الأخلاق الفريدة.

فقلت: سبحان ربي، ما أعظمَ شريعةَ الإسلام ومحاسنها الكبيرة الجليلة، التي جعلت للإنسان في كل أحواله قيمةً وقِيَمًا، ورعاية وأدبًا! حتى قلت في نفسي: لو اطَّلع عليها كافر بنقائها وصفائها، لأسلَم في لحظته تلك، فهل يراعي المسلم بعد ذلك أخاه المسلم إذا مرِض؟ وهل يقف بجواره زيارةً ورعاية وإعانة لبعض حاجاته؟ وهل يكون له نعم العَونُ في وقت ضَعفه وضيق نفسه؟

فكم هم الذين يعانون من الأمراض والابتلاءات في حياتهم، ويُلازمون الفراش شهورًا، بل ربما ظل بهم المرض أعوامًا طويلة، وربما لا يكون لأحدهم مصدر رزقٍ له، يستعين به على مرضه ومعالجته عند الأطباء، أو لربما كان أبًا لأسرة لا تجد قُوت يومها، ولا تجد أيضًا يدَ العون ممن حولها، وكم هم المرضى الذين لا يَعلم حالَهم أحدٌ من الناس، ولا يسمعون بهم إلا من الإعلانات أو البرامج؛ لأنهم لم يجدوا بجوارهم مَن يسمع أنينَهم، ويمسح دموعهم النازفة، ويُخفف أوجاعهم وشكواهم، فلم يجدوا إلا أن يطلبوا من ذلك المجتمع - الذي نسِيهم أو تنسَّاهم - علنًا على صفحات الجرائد، أو في بعض البرامج والشاشات الخدمية، حتى يخرجوا في برامج شعارها: "لأصحاب القلوب الرحيمة".

ألا فلنكن نحن القلوب الرحيمة، والأفئدة الرقيقة، ويدَ العون الحانية لإخواننا وأحبابنا، ولا ننتظر مَن يُطالبنا بحق الله منَّا، أو بمَن يضطرُّه وجعُ الحاجة والمرض، وأنينُ الألم أن يَمُدَّ يديه ليسألَ الناس حاجته وشِدته، وكيف لا، ونحن أُمة الرحمة والمواساة، وأمة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعَت له سائر الأعضاء بالسهر والحُمى؛ تتألَّم بألمه، وتفرَح بفرحه؟!

2- عيادة المريض في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وسُنته:

لعلنا بعد هذه المجملات من الكلمات، تَستبين لنا فضيلة هذه السنة النبوية الفريدة، والتي كادت تُنسى من بعض المسلمين، وهي "عيادة المريض"، وتزداد وضوحًا وصفاءً إذا تأمَّلنا تلك النصوص النبوية الهادية.

1- فلقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عيادة المريض من حقِّ المسلم على أخيه المسلم:

فعن البراء بن عازبٍ - رضي الله عنهما - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بعيادة المريض، واتِّباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المُقسم، ونصْر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام"؛ متفقٌ عليه.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((حق المسلم على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس))؛ متفقٌ عليه.

2- كما جعل عيادة المريض طريقًا لرحمة الله تعالى وفضله وجنَّته:

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - عز وجل - يقول يوم القيامة: يا بن آدمَ، مرِضت فلم تَعُدني! قال: يا رب، كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟! قال: أما علِمت أن عبدي فلانًا مرِض فلم تَعُده؟ أما علِمت أنك لو عُدته، لوجَدتني عنده؟

يا بن آدمَ، استطعَمتُك فلم تُطعمني! قال: يا رب، كيف أُطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علِمت أنه استطعَمك عبدي فلانٌ، فلم تُطعمه، أما علِمت أنك لو أطعَمته، لوجدتَ ذلك عندي؟

يا بن آدمَ، استسقيتُك فلم تَسقني! قال: يا رب، كيف أسْقيك وأنت ربُّ العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلانٌ، فلم تَسقه! أما علِمت أنك لو سقَيته، لوجدتَ ذلك عندي؟))؛ رواه مسلم.

وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عودوا المريض، وأطعِموا الجائع، وفكُّوا العاني))؛ رواه البخاري.

وعن ثوبان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزَل في خُرفة الجنة حتى يرجِع))، قيل: يا رسول الله، وما خُرفة الجنة؟ قال: ((جناها))؛ رواه مسلم.

3- كما جعلها سببًا لدعاء الملائكة الكرام:

فعن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما من مسلمٍ يعود مسلمًا غَدوةً، إلا صلى عليه سبعون ألف مَلك حتى يُمسي، وإن عاده عشيَّةً، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة))؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

4- بل وتمتد هذه الرحمة الجليلة لتنال المريض الذي لا يَدين بديننا من أهل الذِّمة والكتاب:

فعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان غلامٌ يهودي يَخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرِض، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: ((أسلِم))، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطِع أبا القاسم، فأسلَم، فخرَج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقَذه من النار))؛ رواه البخاري.

5- وكذلك شرَع لنا ما ندعو به للمريض في زيارتنا إياه:

فعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى الإنسان الشيءَ منه، أو كانت به قرحةٌ أو جُرحٌ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصبعه هكذا، ووضع سفيان بن عُيينة الراوي سبَّابته بالأرض، ثم رفَعها وقال: "بسم الله، تربةُ أرْضنا، بِريقةِ بعضنا، يُشفى به سقيمُنا، بإذن ربِّنا"؛ متفقٌ عليه.

وعنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعود بعض أهله يَمسح بيده اليمنى ويقول: ((اللهم ربَّ الناس، أذهِب البأس، واشفِ، أنت الشافي لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقمًا))؛ متفقٌ عليه.

وعن أنس - رضي الله عنه - أنه قال لثابت - رحمه الله -: "ألا أَرقيك برُقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: "اللهم رب الناس، مُذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقمًا"؛ رواه البخاري.

وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اللهمَّ اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، اشف سعدًا))؛ رواه مسلم.

وعن أبي عبدالله عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - أنه شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعًا يجده في جسده، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ضع يدك على الذي يَأْلَم من جسدك وقُل: بسم الله - ثلاثًا - وقل سبع مراتٍ: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر))؛ رواه مسلم.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن عاد مريضًا لَم يَحضُره أجَلُه، فقال عنده سبع مراتٍ: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم، أن يَشفيك - إلا عافاه الله من ذلك المرض))؛ رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسنٌ.

وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على أعرابي يعودُه، وكان إذا دخل على مَن يعوده، قال: ((لا بأْسَ، طَهورٌ إن شاء الله))؛ رواه البخاري.

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، اشتكيتَ؟ قال: ((نعم))، قال: بسم الله أَرقيك من كل شيءٍ يُؤذيك، من شرِّ كل نفسٍ أو عين حاسدٍ الله يَشفيك، بسم الله أَرقيك"؛ رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أنهما شهِدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((مَن قال: لا إله إلا الله والله أكبر، صدَّقه ربُّه، فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: يقول: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: لا إله إلا أنا لي المُلك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي، وكان يقول: مَن قالها في مرضه ثم مات، لم تَطعَمه النار))؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.

6- وكذلك شرَع لنا الاطمئنان على حال إخواننا المرضى، والسؤال عن صحتهم وعافيتهم؛ لندفع عن نفوسهم بعضًا من صُوَر الجزَع أو الهَلَع، وكذلك لإدخال السرور عليهم، وإظهار الاهتمام بهم؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - خرج من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجَعه الذي توفِّي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا؛ رواه البخاري.

7- وكذلك أباح للمريض أن يبوحَ ببعض ألمه ووجعه؛ تخفيفًا عنه، ودفعًا للكبت النفسي الذي ربما يعتري بعض النفوس الضعيفة:

قال الإمام النووي - رحمه الله -: "باب جواز قول المريض: أنا وَجِعٌ، أو شديد الوجع، أو موعوكٌ، أو: وا رأساه، ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهةَ في ذلك إذا لم يكن على التسخُّط وإظهار الجزَع".

وجاء في الحديث عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُوعَك، فمسَستُه، فقلت: إنك لتُوعك وَعكًا شديدًا، فقال: ((أجَل، إني أُوعَك كما يُوعَك رجلان منكم))؛ متفق عليه.

وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني من وجعٍ اشتدَّ بي، فقلت: بلَغ بي ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرثني إلا ابنتي، وذكر الحديث؛ متفقٌ عليه.

وعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة - رضي الله عنها -: وا رأساه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((بل أنا وا رأساه))، وذكر الحديث؛ رواه البخاري.

تلك إشارة عابرة لهذه السنة النبوية المحمدية، والتي ينبغي على المسلم ألا يُقصِّر في القيام بها وبحقها ما استطاع إليها سبيلاً، فلكم يفوت الإنسان الأجْر والثواب في مثلها! ولكم يتحسَّر عليها يوم القيامة! وكم هدى الله بعض أولئك المرضى من أصحاب المعاصي والسيِّئات؛ لأن مَن عادهم ذكَّرهم بالله تعالى عند المرض، وذكَّرهم بمحبته والرجاء فيه، وذكَّرهم بنِعم الله وآلائه وفضائله على خلقه، وكيف أن العبد لا غِنى له عن ربِّه في أي حالاته وتقلُّبات حياته؛ سواء في عافيته، أو مرضه، وذكَّرهم بالتوبة النصوح، والعمل الصالح، وأن العبد يأخذ من صحته لمرضه، ولا يَغفُل عن طاعة الله ورسوله، ولا يَغتَر بصحته وعافيته، وفي ذلك قَصص كثيرة معلومة.

نشر في شبكة الألوكة

 

   
 

 
 

  العودة إلى الخلف       

  اطبع هذه الصفحة

أضف هذا الموقع للمفضلة لديك